الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
177
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
واقتصر عليه كان ذلك هو الواجب وإن ضربه بعد ذلك سوطا آخر واقتصر عليها قام الوجوب بهما وإن أتى بالثالث قام الوجوب بالثلاثة وليس شيء من الأسواط الثلاثة مندوبا إذ ليس هناك إلا تكليف واحد دائر بين الوجوه الثلاثة فالسوط الأول إنما يجزي لو اقتصر عليه وأما لو كان في ضمن الاثنين أو الثلاثة كان جزءا من المجزي فيكون الحكم بإجزائه أولا مراعى بعدم الإتيان بالثاني على حسبما يقتضيه ظاهر الأمر وجواز الاقتصار عليه لا يقضي باستحباب الزائد لما عرفت من كون الأقل إذن بدلا عن الأكثر وجواز الترك إلى بدل لا ينافي الوجوب ولا فرق فيما قررنا بين ما إذا كان الأقل مع الزيادة فعلا واحدا كما إذا قال امسح قدر إصبع وإصبعين أو ثلاثة فإن المسح بقدر إصبعين أو ثلاثة يعد مسحا واحدا وإن جاز الاقتصار على بعضه أعني قدر الإصبع أو عد أفعالا عديدة كما في المثال المتقدم وقد يتخيل الفرق حيث إن كلا من الزائد والناقص في الصورة الأولى فعل واحد مستقل مغاير للآخر بخلاف الصورة الثانية فإن الناقص فعل مستقل على التقديرين نظرا إلى انفصال البعض عن البعض وبالتأمل فيما قررنا يظهر فساد ذلك وانتفاء الفرق بين الوجهين هذا وقد ظهر مما ذكرنا ضعف الوجه الأول وكذا الوجه الثاني فالتحقيق في المقام هو الوجه الثالث فالواجب بمقتضى الأمر نفس الفعل الدائر بين الوجهين وقصد الإتيان بالأكثر لا يقضي بتعيين الإتيان به بل يجوز العدول عنه ولو بعد الإتيان بمقدار الأقل بل ولو لم يعدل عنه أيضا إذ بعد الإتيان بالأقل يصدق الإتيان بالواجب فلا مانع من الاقتصار عليه نعم إذا قصد الإتيان بالأقل وأتى به اتجه القول بسقوط الواجب وعدم جواز الإتيان بالزائد على وجه المشروعية وليس ذلك من جهة تعيين الأقل بالنية بل لصدق الامتثال مع الإتيان به كذلك فيحصل به أداء الواجب من غير أن يكون مراعى بالإتيان بالزائد نعم لو قام دليل من الخارج على مطلوبية الزيادة أيضا كان ذلك مندوبا إذ ليس مطلوبيته فعله إذن من جهة الأمر المتعلق به على وجه التخيير وأما إذا نوى الإتيان بالأكثر أو خلا عن القصدين جاز له الاقتصار على الأقل والإتيان بالأكثر إذا تقرر ذلك فنقول بجريان ذلك بعينه في المقام فإنه كما عرفت من قبيل التخيير بين الأقل والأكثر فإن شاء اقتصر على المرة وإن شاء أتى بالتكرار ولا يرد عليه أداء الواجب بالمرة فلا يبقى أمر حتى يشرع الإتيان بالزائد لما عرفت من كون أداء الواجب وسقوط الأمر مراعى بعدم الإتيان بالزائد فكلما أتى به من أفراد الطبيعة انضم إلى ما تقدمه منها وكان الجميع مصداقا لحصول الطبيعة فجواز الاقتصار على المرة لا ينافي قيام الواجب بالتكرار على فرض الإتيان به نعم إن قصد أداء الواجب بالمرة وأتى بها اتجه القول بعدم مشروعية الزائد حسبما عرفت ولا يقضي ذلك بسقوط الثمرة لحصولها في الصورتين الأخيرتين وأنت خبير بأنه لو صرح الأمر بالتخيير بين الأقل والأكثر جرى فيه ما ذكر لتعلق الأمر بكل منها بالخصوص وأما إذا تعلق الأمر بمطلق الطبيعة الحاصلة بالمرة فلا وجه لجعل أداء المكلف به مراعى بفعل غيره إذ الواجب حينئذ شيء واحد وهو الطبيعة الحاصلة بالمرة غاية الأمر ثبوت التخيير عقلا بين حصولاتها بحسب أفرادها وأما إذا تحقق حصولها ببعض تلك الحصولات فلا وجه لارتكاب حصولها بغيره فمع الإتيان بها مرة يحصل الطبيعة المطلقة لمطلوبه قطعا وحينئذ فحصولها في ضمن المتعدد ليس عين الحصول الأول بل غيره فلا وجه لمراعاته في المقام نعم يتم ما ذكر فيما لو أتى بالفردين أو الأفراد دفعة فإنه يكون حينئذ حصول الطبيعة ابتداء في ضمن المتعدد فيحصل به الامتثال كأدائها في ضمن المرة ويشكل ذلك بما مر من صدق حصول الطبيعة حينئذ بالمرة أيضا حقيقة فقضية حصول الطبيعة بها وجوبها استقلالا وقضية وجود الطبيعة بالكل وجوب الكل ووجوب المرة في ضمنه تبعا لوجوبه ولا وجه لالتزام وجوبين ويدفعه أن ما ذكر إنما يتم إذا قلنا بوجوب الجميع من حيث هو وجعلنا حصول الطبيعة في ضمنه حصولا واحدا كحصولها في ضمن المرة وليس كذلك فإن حصول الطبيعة في ضمن الأفراد المتعددة ليس حصولا واحدا لها بل حصولات عديدة يكون كل منها إيجادا للطبيعة الواجبة واعتبار وجودها في ضمن الجميع عين تلك الوجودات قد اعتبرت جملة جماعة فليس أداؤها في ضمن الجميع أداء مغايرا لأدائها في ضمن الآحاد فالمتصف بالوجوب حقيقة هو كل من تلك الآحاد لاتحاده بالطبيعة الواجبة قبل فراغ ذمة المكلف عن أدائها وحيث إن المطلوب بالأمر مطلق إيجاد الطبيعة عم الإيجاد الواحد والمتعدد واتصف الكل بالوجوب ولا يقتضي ذلك تعدد الواجب وإنما يقتضي تعدد إيجاده ولا مانع منه فإن كلا من أفراده المتقاربة أداء للواجب فيحكم بوجوب الكل وأداء الطبيعة في ضمن الجميع نعم لو كان الواجب إيجاد الطبيعة مرة كما يقوله القائل بالمرة لم يتحقق الامتثال إلا بحصول واحد منها حسبما قررناه في الثمرة وعلى الأول لا فرق بين ما إذا نوى الامتثال بأحدهما أو بهما إذ قد عرفت أن النية المذكورة مما لا مدخل لها في أداء الواجب وهذا بخلاف ما لو تعاقبت الأفراد إذ بالإتيان بالأول يحصل أداء الطبيعة الواجبة قطعا وبأدائها يسقط الوجوب ولا فرق حينئذ أيضا بين ما إذا نوى أولا أداء الطبيعة في ضمن المرة أو التكرار حسبما عرفت فتلخص بما ذكرنا ظهور الثمرة بين القولين فيما لو أتى بالمتعدد دفعة دون ما إذا أتى بها متعاقبا حسبما عرفت تفصيل القول فيه فتأمل في المقام [ في أدلة القائلين بوضع الصيغة لماهية اللا بشرط . ] قوله والمرة والتكرار خارجان عن حقيقته إلى آخره أنت خبير بأنه بعد بيان كون المتبادر من الصيغة هو طلب إيجاد حقيقة طبيعة الفعل يثبت كون الصيغة حقيقة في طلب إيجاد الطبيعة المطلقة القابلة للتقييد بكل من التكرار والمرة وغيرهما فلا دلالة فيها على خصوص شيء منهما لوضوح كون به خروج كل من تلك الخصوصيات عن الطبيعة اللا بشرط من غير حاجة إلى إثبات ذلك بالدليل ولو قيل بأن المقصود بالمقدمة المذكورة بيان كون الطبيعة المتبادرة من الصيغة هي الطبيعة المطلقة دون المقيدة بالتكرار والمرة بناء على كون